خلق الله تعالى الإنسان في هذه الدنيا ليعمرها بالخير ويعبد ربه حق العبادة، وجعل حياته محدودة بأجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، ومع ذلك فإن كثيرا من الناس يغفلون عن حقيقة قصر الدنيا وسرعة انقضائها...
قصر الدنيا.. كلما ذهب يوم ذهب بعضك

قصر الدنيا.. كلما ذهب يوم ذهب بعضك

خلق الله تعالى الإنسان في هذه الدنيا ليعمرها بالخير ويعبد ربه حق العبادة، وجعل حياته محدودة بأجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، ومع ذلك فإن كثيرا من الناس يغفلون عن حقيقة قصر الدنيا وسرعة انقضائها، فينشغلون بزخارفها ومتاعها الزائل، وينسون أن الأيام تمضي بسرعة وأن العمر رأس مال الإنسان الحقيقي، ومن هنا جاءت دعوة الإسلام إلى اغتنام الوقت واستثماره فيما ينفع من الطاعات والأعمال الصالحة قبل فوات الأوان.

الدنيا مرحلة عابرة لا دار بقاء

أكد القرآن الكريم في مواضع كثيرة أن الدنيا ليست دار الخلود، وإنما هي محطة مؤقتة يمر بها الإنسان استعدادا للآخرة. قال الله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، وقال سبحانه: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾.

وتكشف هذه الآيات حقيقة مهمة وهي أن كل ما في الدنيا إلى زوال، مهما طال الزمن أو كثرت الممتلكات أو ارتفعت المناصب، فالإنسان يولد صغيرا ثم يكبر ويشيخ، وتتبدل الأحوال وتتغير الظروف، ويبقى العمل الصالح هو الزاد الحقيقي الذي يرافق صاحبه بعد رحيله من هذه الحياة.

وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا بالراكب الذي يستظل تحت شجرة ثم يتركها ويمضي في طريقه، في إشارة إلى قصر مدتها مقارنة بحياة الآخرة التي لا تنتهي.

الوقت نعمة عظيمة ومسؤولية كبيرة

يُعد الوقت من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، فهو الوعاء الذي تنجز فيه الأعمال وتكتسب فيه الحسنات. ولأهمية الوقت أقسم الله تعالى به في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فقال: ﴿والعصر﴾، وقال: ﴿والفجر﴾، وقال: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى﴾.

وهذا القسم الإلهي يدل على عظمة الزمن وقيمته في حياة الإنسان، فاللحظة التي تمضي لا يمكن استعادتها، واليوم الذي ينقضي لا يعود مرة أخرى، ولذلك كان السلف الصالح يدركون قيمة الوقت إدراكا عظيما، ويحرصون على استثماره في العلم والعبادة والعمل النافع.

وقد قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك، وهي كلمة تختصر حقيقة العمر كله.

اغتنام الوقت في الطاعات

حث الإسلام المسلم على استثمار أوقاته فيما يقربه من الله تعالى، لأن العمر قصير والفرص محدودة. ومن أعظم الطاعات التي ينبغي الحرص عليها المحافظة على الصلاة في أوقاتها، فهي عمود الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.

كما أن تلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته من أفضل الأعمال التي تملأ الوقت بالخير والبركة، إضافة إلى الذكر والاستغفار والدعاء وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الناس.

ولا يقتصر العمل الصالح على العبادات المحضة فقط، بل يشمل كل عمل نافع يؤديه الإنسان بنية صادقة، سواء كان طلبا للعلم أو إتقانا للعمل أو مساعدة للمحتاجين أو نشرا للخير بين الناس.

آثار استثمار الوقت في العمل الصالح

عندما يحرص المسلم على استثمار وقته في الطاعة والعمل الصالح فإنه يجني ثمارا عظيمة في الدنيا والآخرة، فمن آثار ذلك شعوره بالطمأنينة والسكينة، وابتعاده عن الفراغ الذي يقود إلى كثير من المشكلات والانحرافات.

كما أن استغلال الوقت في الخير ينمي شخصية الإنسان ويزيد من خبراته ويجعله أكثر إنتاجا وعطاء. أما في الآخرة فإن الحسنات التي يجمعها العبد في أيام حياته تكون سببا في رفعة درجاته ونيل رضا الله تعالى.

ولهذا كان الصالحون يغتنمون دقائق أعمارهم، ويشعرون بالحزن إذا ضاع شيء من أوقاتهم دون فائدة أو عمل يقربهم إلى الله.

من أسباب ضياع الوقت

هناك أمور كثيرة تؤدي إلى إهدار الوقت، من أبرزها التسويف وتأجيل الأعمال النافعة، والانشغال المفرط باللهو والملهيات، ومرافقة أصحاب الفراغ الذين لا يقدرون قيمة الزمن.

كما أن الانشغال الدائم بما لا يفيد من جدال أو متابعة أمور لا تعود بالنفع يستهلك جزءا كبيرا من العمر دون ثمرة حقيقية. ولذلك يحتاج المسلم إلى تنظيم وقته وتحديد أولوياته حتى لا تضيع أيامه فيما لا ينفع.

إن التأمل في قصر الدنيا وسرعة انقضاء العمر يدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه واستثمار ما بقي من أيامه في طاعة الله والعمل الصالح. فالوقت هو أثمن ما يملكه الإنسان، وإذا ضاع لا يمكن تعويضه، ومن وفقه الله إلى اغتنام عمره في الخير فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة، أما من أضاع أيامه في الغفلة واللهو فسيجد الحسرة حين لا ينفع الندم، ولذلك ينبغي لكل مسلم أن يجعل من كل يوم فرصة جديدة للتقرب إلى الله، وأن يتذكر دائما أن الحياة قصيرة، وأن خير الزاد ليوم الرحيل هو الإيمان والعمل الصالح.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
شبهة وجود الشرور في العالم..
شبهة وجود الشرور في العالم من أبرز المسائل التي أثارت تساؤلات الإنسان عبر العصور، حيث يتساءل البعض: إذا...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي..
أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز التطورات التقنية التي يشهدها العالم في العصر الحديث، حيث دخل في مجالات...
المزيد »
 «استعمال الناس حجة»
القواعد الفقهية من أهم الأدوات التي اعتمد عليها العلماء في ضبط الفروع الفقهية وربط الأحكام بأصولها العامة،...
المزيد »
فقه المقاصد
فقه المقاصد من أهم العلوم التي تساعد على فهم روح الشريعة الإسلامية وغاياتها الكبرى، فهو لا يكتفي بالنظر...
المزيد »
الإمام مالك: الجمع بين الصلوات أثناء السفر رخصة تستخدم عند الحاجة
مسألة الجمع بين الصلوات أثناء السفر من المسائل الفقهية التي تناولها العلماء بالبحث والدراسة، لما لها...
المزيد »
صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة..
صلاة تحية المسجد من السنن التي شرعها الإسلام عند دخول المسجد، وهي ركعتان يؤديهما المسلم قبل الجلوس تعظيما...
المزيد »
دعوا الناقة فإنها مأمورة..
تظل قصة الناقة التي اختارت دار أبي أيوب الأنصاري من أجمل المواقف التي ترويها كتب السيرة عن استقبال أهل...
المزيد »
عبد الله بن أبي بكر..
بقي اسم عبد الله بن أبي بكر حاضرا في كتب السيرة والتاريخ باعتباره الصحابي الذي أدى دورا مهما في واحدة...
المزيد »
موقعة الريدانية.. أنهت حكم المماليك في مصر
موقعة الريدانية واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في تاريخ مصر والمنطقة العربية والأمة الإسلامية، إذ مثلت...
المزيد »
مسجد السلطان حسن..
يعد مسجد السلطان حسن واحدا من أبرز المعالم الإسلامية في القاهرة التاريخية، ومن أعظم الشواهد على ازدهار...
المزيد »
ظل الغمامة..
عاش النبي ﷺ محفوظا بعناية الله، حتى جاء وقت الرسالة، فكان خير من حمل الأمانة وأدى البلاغ، لتبقى سيرته...
المزيد »
طاووس بن كيسان..
سيرة طاووس بن كيسان تقدم نموذجا للعالم الذي جمع بين العلم والعمل، وبين قوة الشخصية والتواضع، فكان مثالا...
المزيد »
«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا»..
مقولة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا» من أشهر العبارات التي تتردد على ألسنة...
المزيد »
حلم النبي ﷺ..
الحِلم من أبرز الصفات التي تجلت في شخصية النبي محمد ﷺ، فقد كان مثالا فريدا في الصبر وضبط النفس والتعامل...
المزيد »
أذكار الخروج من المسجد..
تُعد أذكار الخروج من المسجد من السنن النبوية المباركة التي ينبغي للمسلم المحافظة عليها وعدم التفريط فيها،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك