عشية عرفة، ذلك الوقت الذي تتنزّل فيه الرحمات وتُفتح فيه أبواب السماء على مصاريعها، وتلك البقعة التي يجتمع فيها ملايين البشر من كل فجٍّ عميق...
في يوم عرفة..

في يوم عرفة..

من أحسن الظن رزق الإجابة

تأمّل المشهد جيداً قبل أن تقرأ ما فيه من كلام؛ عشية عرفة، ذلك الوقت الذي تتنزّل فيه الرحمات وتُفتح فيه أبواب السماء على مصاريعها، وتلك البقعة التي يجتمع فيها ملايين البشر من كل فجٍّ عميق، كلهم رافعو الأيدي، كلهم باكو العيون، كلهم مقبلون على الله بقلوب كسيرة وأرواح ظامئة. في هذا المشهد بعينه جلس سفيان الثوري، ذلك الإمام الجليل الذي ملأ الدنيا علماً وورعاً وزهداً، جاثياً على ركبتيه تذرف عيناه دموعاً لا تنقطع، في صورة من صور الانكسار الحقيقي أمام الله. فلما رآه ابن المبارك على هذه الحال سأله سؤالاً يحمل في طيّاته استنكاراً مضمراً: مَن أسوأ هذا الجمع حالاً؟ وكأنه يقول: كيف يكون أحدٌ في هذا اليوم المبارك في أسوأ الأحوال وهذه الرحمة تتنزّل؟ فجاء جواب سفيان كالسهم المصيب: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

جريمة اليأس.. حين يُسيء العبد الظن بربه

اليأس من رحمة الله ليس ضعفاً عاطفياً ولا كسلاً نفسياً يُعذر صاحبه ويُرثى له، بل هو في حقيقته إساءة ظن بالله، وهي من أشد الجرائم الروحية خطورةً لأنها تمس صفة الله في رحمته وكرمه ومغفرته. والله سبحانه لم يصف نفسه في كتابه بصفة أكثر مما وصف نفسه بالرحمة والمغفرة والعفو، حتى إن كل سورة من سور القرآن تبدأ بـ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وكأن الله يُقدّم نفسه لعباده في كل مرة بهذين الاسمين الجليلين قبل أي شيء آخر. فمن ظنّ أن الله لا يغفر له فقد جحد هذه الصفة في حق الله، ولم يُعطِها قدرها، ووضع تقديره لذنوبه فوق تقديره لسعة رحمة الله، وهذا في حد ذاته خلل عقدي قبل أن يكون خللاً نفسياً.
وقد جاء في الحديث القدسي ما يشفي الغليل ويُزيح الغمام: “أنا عند ظن عبدي بي”، وهو نص صريح لا يحتمل التأويل، مفاده أن الله يُعامل العبد على قدر ما يظنه به؛ فمن ظن حسناً وجد حسناً، ومن ظن يأساً وقنوطاً حُرم من فتح الباب الذي لم يُقرعه بصدق. ولهذا كان سفيان الثوري، وهو من أئمة الخوف والورع، يُشير إلى أن صاحب اليأس أسوأ حالاً من سائر الناس حتى في أعظم مجامع الرحمة، لأنه جاء إلى موسم العطاء بكوب مثقوب، ووقف على باب الجود بقلب موصد من الداخل.

بين الخوف المحمود واليأس المذموم.. فرق جوهري

ثمة حدٌّ دقيق ينبغي أن يُعرف ولا يُتجاوز، وهو الفرق بين الخوف الذي يُحرّك والقنوط الذي يُشلّ. فسفيان الثوري نفسه الذي روى عنه ابن المبارك هذه الكلمة كان من أشد الناس خوفاً من الله وبكاءً من خشيته، غير أن خوفه كان من النوع الذي يدفعه إلى مزيد من العبادة والإنابة والتضرع، لا من النوع الذي يقعده عن طلب المغفرة ويوهمه أنه خارج دائرة الرحمة. فالخوف المحمود هو الذي يجعل العبد يُسرع إلى الله لا أن يفرّ منه، يجعله يُكثر من الدعاء لا أن يصمت يأساً، يجعله يبكي طالباً لا باكياً قانطاً. أما اليأس فهو ذلك الصوت الداخلي الخبيث الذي يهمس للعبد: لا فائدة، ذنوبك أكبر من أن تُغفر، والباب موصد في وجهك، فيقعد العبد عن الطلب ويتوقف عن القرع، ويكون بذلك قد استسلم للشيطان في أعظم معاركه.
وقد عرف علماء التزكية هذا الفرق وعبّروا عنه بعبارات بليغة، منها أن الخوف كالسوط الذي يسوق السائر نحو غايته، فإذا تجاوز حدّه وتحوّل إلى يأس صار قيداً يكبّله لا سوطاً يحثّه. والمؤمن الحقيقي يسير بين جناحين: جناح الرجاء الذي يرفعه نحو الله، وجناح الخوف الذي يصونه من الغرور والاغترار، فإذا كُسر أحد الجناحين اختل الطيران وعجز العبد عن بلوغ المقصد.

في يوم عرفة درس خاص لكل يائس

اختار ابن المبارك أن يروي هذه الكلمة في سياق عشية عرفة تحديداً، ولم يكن ذلك اعتباطاً، بل فيه إشارة بليغة إلى أن اليأس من رحمة الله يبلغ ذروة قبحه حين يقع في أشرف الأوقات وأعظم المواسم. فيوم عرفة هو اليوم الذي أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يُباهي فيه الملائكة بعباده الواقفين، وأن المغفرة تُوزَّع فيه بسخاء لا حدود له حتى على من لم يحضر الموقف من المسلمين في سائر أقطار الأرض. وفي هذا اليوم بالذات أن يقف إنسان ويظن أن الله لا يغفر له، فهذا من أعظم ما يحزن القلب ويُشير إلى عمق الجرح الروحي الذي يعانيه صاحبه.
والرسالة التي يحملها هذا الأثر لكل مسلم واضحة ومضيئة: أن تُحسن الظن بالله ليس ترفاً روحياً بل هو واجب عقدي، وأن تقف بين يديه في أي وقت وأي مكان بقلب يرجو لا بقلب يقنط، وأن تعلم أن ذنوبك مهما عظمت وتراكمت فإن رحمة الله أوسع منها وأعلى، وأن الله لم يفتح باب التوبة ليُغلقه في وجهك، ولم يدعُك إلى الرجاء ليخيب ظنّك.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
شبهة وجود الشرور في العالم..
شبهة وجود الشرور في العالم من أبرز المسائل التي أثارت تساؤلات الإنسان عبر العصور، حيث يتساءل البعض: إذا...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي..
أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز التطورات التقنية التي يشهدها العالم في العصر الحديث، حيث دخل في مجالات...
المزيد »
 «استعمال الناس حجة»
القواعد الفقهية من أهم الأدوات التي اعتمد عليها العلماء في ضبط الفروع الفقهية وربط الأحكام بأصولها العامة،...
المزيد »
فقه المقاصد
فقه المقاصد من أهم العلوم التي تساعد على فهم روح الشريعة الإسلامية وغاياتها الكبرى، فهو لا يكتفي بالنظر...
المزيد »
الإمام مالك: الجمع بين الصلوات أثناء السفر رخصة تستخدم عند الحاجة
مسألة الجمع بين الصلوات أثناء السفر من المسائل الفقهية التي تناولها العلماء بالبحث والدراسة، لما لها...
المزيد »
صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة..
صلاة تحية المسجد من السنن التي شرعها الإسلام عند دخول المسجد، وهي ركعتان يؤديهما المسلم قبل الجلوس تعظيما...
المزيد »
دعوا الناقة فإنها مأمورة..
تظل قصة الناقة التي اختارت دار أبي أيوب الأنصاري من أجمل المواقف التي ترويها كتب السيرة عن استقبال أهل...
المزيد »
عبد الله بن أبي بكر..
بقي اسم عبد الله بن أبي بكر حاضرا في كتب السيرة والتاريخ باعتباره الصحابي الذي أدى دورا مهما في واحدة...
المزيد »
موقعة الريدانية.. أنهت حكم المماليك في مصر
موقعة الريدانية واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في تاريخ مصر والمنطقة العربية والأمة الإسلامية، إذ مثلت...
المزيد »
مسجد السلطان حسن..
يعد مسجد السلطان حسن واحدا من أبرز المعالم الإسلامية في القاهرة التاريخية، ومن أعظم الشواهد على ازدهار...
المزيد »
ظل الغمامة..
عاش النبي ﷺ محفوظا بعناية الله، حتى جاء وقت الرسالة، فكان خير من حمل الأمانة وأدى البلاغ، لتبقى سيرته...
المزيد »
طاووس بن كيسان..
سيرة طاووس بن كيسان تقدم نموذجا للعالم الذي جمع بين العلم والعمل، وبين قوة الشخصية والتواضع، فكان مثالا...
المزيد »
«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا»..
مقولة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا» من أشهر العبارات التي تتردد على ألسنة...
المزيد »
حلم النبي ﷺ..
الحِلم من أبرز الصفات التي تجلت في شخصية النبي محمد ﷺ، فقد كان مثالا فريدا في الصبر وضبط النفس والتعامل...
المزيد »
أذكار الخروج من المسجد..
تُعد أذكار الخروج من المسجد من السنن النبوية المباركة التي ينبغي للمسلم المحافظة عليها وعدم التفريط فيها،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك