عام الرمادة.. مجاعة قاسية وتصرف حكيم

شهدت السنة الثامنة عشرة للهجرة، واحدة من أصعب الفترات في التاريخ الإسلامي، حيث اجتمع القحط والمجاعة في الجزيرة العربية فيما عُرف بـ"عام الرمادة"،...
عام الرمادة.. مجاعة قاسية وتصرف حكيم

عام الرمادة.. مجاعة قاسية وتصرف حكيم

شهدت السنة الثامنة عشرة للهجرة، واحدة من أصعب الفترات في التاريخ الإسلامي، حيث اجتمع القحط والمجاعة في الجزيرة العربية فيما عُرف بـ”عام الرمادة”، بينما اجتاح الطاعون بلاد الشام في ذات العام، ليفتك بعشرات الآلاف من المسلمين، وسط جهود جبارة قادها الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لتخفيف المعاناة والنجاة بالأمة من كارثة إنسانية كبرى.
وقد سُمي العام بـ”عام الرمادة” نسبة إلى الرياح الشديدة التي كانت تحمل الغبار والتراب، فتغطي الأرض بلون كالرماد. فاشتدت المجاعة، وعمّ الجوع، حتى أصبحت الوحوش تأوي إلى البشر من شدّة الهزال، وصار الناس يعافون أكل اللحم من شدة فساده وقبح رائحته.
وقد بادر عمر بن الخطاب بمخاطبة أمراء الأمصار، طالبًا المدد العاجل لأهل المدينة ومحيطها، فجاءت الاستجابات من البصرة ومصر، وكان أول الوافدين أبو عبيدة بن الجراح على رأس أربعة آلاف راحلة محملة بالطعام. وزع أبو عبيدة المؤن على الناس، ورفض أن يأخذ أجرًا، ولكن عمر أصر عليه حتى قبِل، مع التأكيد على أن الهدف هو رضا الله وحده.
وكان عمر بن الخطاب نموذجًا في القيادة المتضامنة، إذ أقسم ألّا يذوق لحمًا ولا لبنًا ولا سمنًا حتى ينجو الناس من المجاعة. وعندما جلب له غلامه وعكة سمن ووطب لبن اشتراهما من السوق، رفض عمر تناولهما لأنه رآها إسرافًا في زمن القحط، قائلاً: “كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم؟”.
وقد خرج عمر بالمسلمين إلى الاستسقاء، وطلب الدعاء من العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، فقال: “اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك، وبقية آبائه وأكبر رجاله”، في مشهد مؤثر شهد فيه الناس تواضع أمير المؤمنين وإيمانه العميق. ورفع المسلمون أكفهم إلى السماء، وتضرعوا بالدعاء، حتى أغاثهم الله بالمطر وأحيا الأرض والعباد.
وفي ذلك العام أيضًا، وصل إلى عمر بن الخطاب كتاب من أبي عبيدة الجراح يُخبره بوقوع بعض المسلمين في شرب الخمر، فكتب إليهم عمر يحثهم على التوبة، وأمر بجلدهم بعد أن أقروا بحرمة الخمر. وقال عمر حينها: “ليحدثنّ فيكم يا أهل الشام حدث”، وكأنما تنبأ بالبلاء الذي تلا ذلك، من مجاعة وطاعون.
ويظل عام الرمادة، صفحة عظيمة في سجل التاريخ الإسلامي، مليئة بالدروس في الصبر، والتكافل، والتقوى. فقد أظهر الخليفة عمر بن الخطاب أسمى معاني القيادة والتواضع، واجتهد في نجدة الناس رغم قسوة الظروف. ومع دعاء المخلصين وتوبة العصاة، تنزّلت الرحمة من السماء، وأغاث الله عباده، فكان عامًا من البلاء… لكنه أيضًا عامٌ من الإيمان والنصر.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك