شبهة العنف في الإسلام

بين التصوير الديورانتي والحقيقة الحضارية

يُعَدّ الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت (1885–1981م) أحد أبرز المفكرين الغربيين الذين تناولوا الحضارات الإنسانية في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة...
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية

شبهة العنف في الإسلام

بين التصوير الديورانتي والحقيقة الحضارية

يُعَدّ الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت (1885–1981م) أحد أبرز المفكرين الغربيين الذين تناولوا الحضارات الإنسانية في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة. وبرغم اتساع أفقه التاريخي ونزعته الإنسانية المعلنة، فإن ديورانت — مثل كثير من مؤرخي الغرب — وقع أسيرًا لزاوية النظر الحضارية الغربية، التي تقيس الثقافات الأخرى بمقياس التجربة الأوروبية. من هذا المنطلق، حين تناول الإسلام، أبدى إعجابًا واضحًا بالإنجاز الحضاري للمسلمين في العلم والفكر والفن، لكنه في المقابل أورد عددًا من الشبهات حول طبيعة الدعوة الإسلامية، منها ما يتصل بالعنف والقتال في سبيل نشر الدين.

تصوير ديورانت لشبهة العنف

يقول ديورانت في قصة الحضارة إن “الإسلام انتشر بالسيف أكثر مما انتشر بالكلمة”، وإنّ “فتوحات العرب لم تكن سوى حركات توسعية لبناء إمبراطورية جديدة باسم الدين”. ويُفهم من عباراته أنه يُصوّر الجهاد في الإسلام كأداة سياسية للغزو والسيطرة، لا كقيمة روحية للدفاع عن العقيدة وإزالة العدوان. هذا التصوير، وإن كان متأثرًا بتراث الاستشراق الأوروبي في القرن التاسع عشر، إلا أنه يتعارض مع التوصيف القرآني الواضح لمفهوم القتال، كما يتجاهل التجربة الواقعية لانتشار الإسلام في معظم الأقاليم التي لم تعرف غزوًا عسكريًا قط، مثل إندونيسيا وماليزيا وأفريقيا الغربية.

الرد الشرعي والتحليل المفهومي للجهاد

ينطلق الإسلام في تشريعه للقتال من قاعدة الضرورة الدفاعية، لا من منطق الاعتداء أو الفتح القسري. فالقرآن الكريم يقول بجلاء:

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190].

هذه الآية تمثل مبدأ الضبط الأخلاقي للجهاد، إذ تقيد القتال بعدوان الآخرين وتمنع تجاوزه إلى الإكراه في الدين، الذي نفاه القرآن صراحة في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].

من هذا المنظور، فالجهاد ليس وسيلة لفرض الإيمان، بل حمايةٌ لحرية الاعتقاد، وصونٌ لحقوق الجماعات المسلمة وغير المسلمة في وجه العدوان. ولهذا قال الإمام ابن تيمية في الفتاوى: “أصل الجهاد أن يكون لدفع العدوان، لا لطلب الرياسة ولا الغنيمة”.

الإسلام في ميزان التاريخ الواقعي

لو صحّ تصوير ديورانت لانتشار الإسلام بالعنف، لما بقيت الشعوب التي دخلت في حكم المسلمين على دينها القديم قرونًا طويلة دون إكراه، كما حدث في مصر والشام والعراق والأندلس. التاريخ يشهد أن الجزية لم تكن عقوبة على المخالفين في الدين، بل كانت بدلًا عن الخدمة العسكرية المفروضة على المسلمين، مع ضمان الدولة الإسلامية لأمن أهل الذمة وأموالهم وكنائسهم.

ثم إن الإسلام توسّع حضاريًا أكثر مما توسّع عسكريًا؛ فحركات التجارة والدعوة والعلماء والمتصوفة حملت الدين إلى أعماق آسيا وأفريقيا من غير سيف ولا جيوش. فلو كان السيف هو العامل الحاسم، لما استمر الإسلام قرونًا في تلك البقاع بعد انحسار القوة السياسية للخلافة.

المفارقة الفلسفية في رؤية ديورانت

المفارقة أن ديورانت، وهو الذي انتقد الحروب الصليبية بوصفها مظهرًا من مظاهر “التعصب المسيحي”، لم يُعمل المعيار ذاته في قراءته لفتوحات المسلمين. فبينما رأى في الأولى “انفعالًا حضاريًا”، رأى في الثانية “عنفًا دينيًا”. والسبب يعود إلى الخلفية الفلسفية التي حكمت رؤيته للتاريخ، إذ كان يؤمن بمركزية الإنسان الأوروبي بوصفه محور التقدم، بينما يُنظر إلى التجربة الإسلامية في ضوء صراعها مع أوروبا لا في ذاتها.

الرؤية الحضارية الإسلامية للعلاقات الدولية

الإسلام لم يُنشئ فلسفة عدوانية في العلاقات الدولية، بل أقامها على مبدأ السلم والعدالة، فقال تعالى:

﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61].

ولم تكن غاية الدولة الإسلامية أن تفرض سلطانها الجغرافي، بل أن تهيئ بيئةً آمنةً تُمارس فيها الدعوة بحرية. لذا كان أول ما فعله النبي ﷺ بعد الهجرة هو كتابة وثيقة المدينة، التي أرست نظامًا تعاقديًا بين المسلمين واليهود والمشركين على أساس التعاون والأمن المشترك. تلك الوثيقة وحدها كافية لدحض شبهة العنف، إذ تُظهر أن الإسلام لم يُبن على إقصاء المخالف، بل على إشراكه في بناء المجتمع وفق ضوابط العدل.

الحقيقة الحضارية: من السيف إلى القيم

إنّ الإسلام حين استخدم القوة، لم يجعلها غاية، بل وسيلة لإقامة العدل وكفّ الظلم. والدليل أن أكثر المرويات النبوية في القتال تضبط السلوك الأخلاقي للمقاتلين: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرًا» — وهي وصية لا نظير لها في حروب أوروبا حتى العصور الحديثة.

لقد أخطأ ديورانت حين اختزل الإسلام في مشهد السيف، وغفل عن أن السيف في الإسلام لا يُرفع إلا لحماية الكلمة، وأن الأمة التي أنجبت حضارة الأندلس وبيت الحكمة وبغداد وقرطبة لا يمكن أن تكون أمة عنف، بل أمة رسالة.

خاتمة فكرية

إنّ شبهة العنف في الإسلام ليست سوى انعكاسٍ لسوء الفهم الغربي لطبيعة العلاقة بين الحق والقوة في الفكر الإسلامي. فالإسلام لا يمجّد القوة لذاتها، بل يربطها بالعدل والرحمة، ويعتبرها وسيلةً لتحقيق السلم الدائم. وما بين تصوير ديورانت الحسي للفتح الإسلامي، وصورته الروحية في ضوء القرآن والسيرة، يظهر التباين بين فلسفة مادية تقيس القيم بمعيار القوة، وفلسفة توحيدية تجعل القوة في خدمة الحق.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك