حين يجأر القلب.. آية تُعيد ضبط البوصلة

آية واحدة موجزة من كتاب الله قادرة على إعادة ترتيب ما اختلط في القلب من أولويات، وتشير إلى الجرح الذي لا يُشفى إلا بمعرفة مصدر النعمة ومرجع الاستغاثة في آنٍ واحد. يقول الله تعالى: "وَمَا...
حين يجأر القلب.. آية تُعيد ضبط البوصلة

حين يجأر القلب.. آية تُعيد ضبط البوصلة

آية واحدة موجزة من كتاب الله قادرة على إعادة ترتيب ما اختلط في القلب من أولويات، وتشير إلى الجرح الذي لا يُشفى إلا بمعرفة مصدر النعمة ومرجع الاستغاثة في آنٍ واحد. يقول الله تعالى: “وَمَا بِكُم مِّن نِّعمةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ”. آية كأنها مرآة تُعكس على الإنسان حالتيه الأصيلتين: حالة العافية وحالة البلاء، وفي كل منهما حقيقة ينسى الإنسان أن يستيقن بها.

غارقون في العطاء ولا ندري

تبدأ الآية بجملة من بساطتها تخترق القلب اختراقاً: “وما بكم من نعمة فمن الله”. لم تقل الآية بعض ما بكم أو كثير مما بكم، بل أطلقت القول إطلاقاً مطلقاً يشمل كل ما وقعت عليه يد الإنسان أو شعر به قلبه أو أحاط به وجوده. وجاءت كلمة “نعمة” نكرة في سياق النفي، وهي من أقوى صيغ العموم في لغة العرب، فكأن الآية تقول: لا تستثن من هذه القاعدة شيئاً مهما صغر أو كبر، لا النفس الذي يتردد في صدرك بين لحظة وأخرى، ولا الأمان الذي تنام عليه في الليل آمناً، ولا الصحة التي تمشي بها على قدميك دون أن تلتفت إليها.
والإنسان في غمرة الحياة اليومية يظن أن بعض ما يتمتع به ثمرة جهده وحذقه ودأبه، وهو لا يكذب تماماً إذ للأسباب قيمتها في حكمة الله، لكنه يقع في غلط أعمق حين يُنسي نفسه أن من أعطاه القدرة على السعي وهيّأ له الأسباب وصرف عنه الموانع هو الله وحده. فالنعمة في حقيقتها لا تبدأ بالثمرة التي تلمسها، بل تبدأ بكل خطوة أفضت إليها، وتلك الخطوات كلها في يد الله قبل أن تكون في يد الإنسان.

المَسّ الذي يكشف الحقيقة

ثم تنتقل الآية إلى المشهد الثاني بحرف “ثم” الذي ينطوي على توقيت وتعقيب وربما شيء من الدهشة، كأن في الأمر ما يستدعي الانتباه. “ثم إذا مسّكم الضر فإليه تجأرون”. ولمسة “المس” هنا لا تعني الضر البالغ المتناهي بالضرورة، بل تصف أدنى درجاته وأخفّ وطأته، فحتى حين يلامس الألم الإنسانَ لمساً عابراً تتغير الحال وتنكشف الحقيقة. يسقط الكبرياء المُصطنع، وتتساقط الأوهام التي بنيناها حول قوتنا واستقلاليتنا، وتتكشف النفس على ما هي عليه في جوهرها: مخلوق محتاج، ضعيف في مواجهة ما لا يُحتمل.
وفي هذه اللحظة بالذات يجأر الإنسان، والجؤار أقوى من الدعاء وأشد من النداء، إنه الصوت الذي يخرج من الأعماق حين تستنفد النفس كل حيلها وتُدرك أن لا مخلص إلا من فوق. والقرآن لا يصف هذا وصف المُعاتِب بالضرورة، بل يصفه وصف المُقرِّر لحقيقة الفطرة الإنسانية؛ فالإنسان في أصل تكوينه يعرف ربه، وإن نسيه في الرخاء فهو يتذكره في الضيق تذكراً غريزياً لا يحتاج إلى تعليم.

بلاغة التقديم وسر “إليه”

وفي الآية سر بلاغي عميق يكاد يمر على الأذن دون أن تلتقط حجمه، تقول الآية “فإليه تجأرون” ولا تقول “فتجأرون إليه”. هذا التقديم لكلمة “إليه” على الفعل يحمل في قواعد البيان العربي معنى الحصر والتخصيص، كأن الآية تقول: لا تقصد بجؤارك أحداً سواه، ولا يسعك في تلك اللحظة إلا هو. وهو وصف صادق أتمّ الصدق، فالإنسان في قمة ضعفه يتجاوز كل الوسائط والأسباب ويمتد بقلبه مباشرة نحو السماء، لأن الفطرة أعلم بالحقيقة مما يبنيه العقل في أوقات القوة من تعلق بالأسباب ونسيان للمسبّب.
وفي هذه اللحظة من التجلي يدرك المؤمن أن ما كان يظنه قوة كانت في حقيقتها نعمة مؤجّلة الاعتراف، وأن ما كان يظنه ملاذاً من البشر لم يكن إلا ستاراً شفافاً تتجلى خلفه يد الله. فحين ينكشف الستار في لحظة الضر يجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام الحقيقة التي لم تتغير يوماً: أنه لم يكن وحده قط، وأن من أمده في الرخاء هو من يسمعه في الضيق.

القلب المعلّق بالله في حالتيه

تجمع الآية في عِقدها حالتي الإنسان الكاملتين: حالة النعمة وحالة البلاء، وتكشف أن الحكمة الحقيقية ليست في انتظار الضيق لتتذكر الله، بل في أن يظل القلب معلقاً به في الحالتين معاً. فمن أدرك في وقت العافية أن كل ما بيده منحة لا ملكية، لم يكن الضر حين جاءه صدمة تُفقده التوازن، بل كان امتداداً لتجربة التسليم التي يعيشها منذ أمد. وهذا التسليم لا يعني الاستسلام السلبي أو التخلي عن العمل والأخذ بالأسباب، بل يعني أن يُحسن الإنسان عمله ويتوكل على من

في يده وحده مقاليد النتائج.

الشكر في العافية عبادة تُحصّن القلب من الغرور وتُبقيه على صلة بالمُنعم، والصبر في البلاء عبادة تُربّي اليقين وتُكشف للنفس أن ما تخافه اليوم قد يكون باب خير لم يُفتح بعد. وبين الحالتين يمتد خيط واحد هو التوجه إلى الله؛ في السعة وفي الضيق، في الشكر وفي الجؤار، في السكينة وفي القلق، وهو الخيط الذي إن أمسك به القلب لم تعد تقلبات الحياة فوضى مُفزعة، بل صارت محطات في رحلة مؤمن يعرف من أين جاء وإلى من يعود.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
شبهة وجود الشرور في العالم..
شبهة وجود الشرور في العالم من أبرز المسائل التي أثارت تساؤلات الإنسان عبر العصور، حيث يتساءل البعض: إذا...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي..
أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز التطورات التقنية التي يشهدها العالم في العصر الحديث، حيث دخل في مجالات...
المزيد »
 «استعمال الناس حجة»
القواعد الفقهية من أهم الأدوات التي اعتمد عليها العلماء في ضبط الفروع الفقهية وربط الأحكام بأصولها العامة،...
المزيد »
فقه المقاصد
فقه المقاصد من أهم العلوم التي تساعد على فهم روح الشريعة الإسلامية وغاياتها الكبرى، فهو لا يكتفي بالنظر...
المزيد »
الإمام مالك: الجمع بين الصلوات أثناء السفر رخصة تستخدم عند الحاجة
مسألة الجمع بين الصلوات أثناء السفر من المسائل الفقهية التي تناولها العلماء بالبحث والدراسة، لما لها...
المزيد »
صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة..
صلاة تحية المسجد من السنن التي شرعها الإسلام عند دخول المسجد، وهي ركعتان يؤديهما المسلم قبل الجلوس تعظيما...
المزيد »
دعوا الناقة فإنها مأمورة..
تظل قصة الناقة التي اختارت دار أبي أيوب الأنصاري من أجمل المواقف التي ترويها كتب السيرة عن استقبال أهل...
المزيد »
عبد الله بن أبي بكر..
بقي اسم عبد الله بن أبي بكر حاضرا في كتب السيرة والتاريخ باعتباره الصحابي الذي أدى دورا مهما في واحدة...
المزيد »
موقعة الريدانية.. أنهت حكم المماليك في مصر
موقعة الريدانية واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في تاريخ مصر والمنطقة العربية والأمة الإسلامية، إذ مثلت...
المزيد »
مسجد السلطان حسن..
يعد مسجد السلطان حسن واحدا من أبرز المعالم الإسلامية في القاهرة التاريخية، ومن أعظم الشواهد على ازدهار...
المزيد »
ظل الغمامة..
عاش النبي ﷺ محفوظا بعناية الله، حتى جاء وقت الرسالة، فكان خير من حمل الأمانة وأدى البلاغ، لتبقى سيرته...
المزيد »
طاووس بن كيسان..
سيرة طاووس بن كيسان تقدم نموذجا للعالم الذي جمع بين العلم والعمل، وبين قوة الشخصية والتواضع، فكان مثالا...
المزيد »
«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا»..
مقولة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا» من أشهر العبارات التي تتردد على ألسنة...
المزيد »
حلم النبي ﷺ..
الحِلم من أبرز الصفات التي تجلت في شخصية النبي محمد ﷺ، فقد كان مثالا فريدا في الصبر وضبط النفس والتعامل...
المزيد »
أذكار الخروج من المسجد..
تُعد أذكار الخروج من المسجد من السنن النبوية المباركة التي ينبغي للمسلم المحافظة عليها وعدم التفريط فيها،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك