بين جالينوس والقرآن..

إجابة علمية عن إدعاء التشابه أو الاقتباس

كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل من دم الحيض الذي يُخثّره إفراز الرجل، وأن الكبد ثم القلب ثم الدماغ هي أولى ما ينبثق من...
بين جالينوس والقرآن..

بين جالينوس والقرآن..

إجابة علمية عن إدعاء التشابه أو الاقتباس

في سياق الجدل الفكري المتجدد حول المصادر المحتملة للمعرفة القرآنية، تطفو بين الحين والآخر شبهةٌ تزعم أن القرآن الكريم قد استعار وصفه لمراحل خلق الجنين من الطبيب اليوناني جالينوس، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي. غير أن هذه الدعوى، حين تُوضع على مشرحة العلم والتاريخ، لا تلبث أن تكشف عن هشاشتها البنيوية، إذ يقوم الفارق بين النصين لا على درجة الدقة وحسها، بل على طبيعة المعرفة ذاتها وطريقة توليدها.
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل من دم الحيض الذي يُخثّره إفراز الرجل، وأن الكبد ثم القلب ثم الدماغ هي أولى ما ينبثق من هذا الاتحاد. وقد دحض العلم الحديث هذه التصورات دحضاً كاملاً، فلا دم حيض يُشكّل الجنين، ولا ترتيب من هذا القبيل يصف واقع التطور الجنيني كما رصده المجهر بعين لا تكذب. في المقابل، جاء الوصف القرآني ليرسم خطاً تشريحياً بالغ الدقة: النطفة، فالعلقة، فالمضغة، فالعظام، فكسو العظام باللحم. وهو تسلسل لا تجد له ظلاً في كتابات اليونان، ويعكس فهماً لمراحل التطور الجنيني لم يتسنّ للإنسانية رؤيته بعين مجردة قط.

“العَلَقة”.. كلمةٌ تُربك التاريخ

لعل أكثر ما يُربك أصحاب الشبهة هو مصطلح “العلقة” الذي أورده القرآن الكريم وصفاً للجنين في مرحلته الثانية. فهذا المصطلح، الذي يحمل دلالة التعلق والارتباط بجدار الرحم، يُجسّد بدقة مثيرة ما يُسمّيه علم الأجنة الحديث بمرحلة الانغراس، حين يُلصق الجنين نفسه بجدار الرحم ليأخذ غذاءه وحياته. وهو ما لم تعرفه الحضارة اليونانية ولم تُلمّح إليه، لا لأن علماءها كانوا قاصرين عن التأمل، بل لأن مثل هذه الدقة لا تُستقى من التأمل المجرد، بل من أدوات الرصد الدقيق التي لم تُخترع إلا بعد قرون طويلة.
ولما جاء اختراع الميكروسكوب ليكشف للبشرية حقيقة ما يجري في أعماق الرحم، اتضح أن الجنين لا يتكون من دم الحيض المتخثر كما ظن أطباء اليونان، بل من اتحاد نطفتي الذكر والأنثى في خليط متشابك، وهو ما عبّر عنه القرآن بمفردة “الأمشاج” أي المختلطة، إن كشفاً كهذا، في عصر لم تكن فيه أدوات التشريح المتطورة موجودة، يجعل نسبة هذا الوصف إلى اقتباس يوناني أمراً يعجز عن تفسير ما بين يديه.

الحارث بن كلدة.. شاهدٌ لا يُثبت دعوى

ثمة اتجاه آخر في هذه الشبهة يحاول أن يُسند الادعاء إلى وسيط عربي، إذ يزعم البعض أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم استقى هذه المعلومات من الحارث بن كلدة، الطبيب العربي الذي درس في بلاد فارس وعُرف بمعرفته بطب اليونان. غير أن هذا الادعاء يصطدم بجدار من الحقائق التاريخية يصعب تجاوزه؛ فلم يثبت في أي مصدر موثوق أن لقاءً جرى بين النبي والحارث بن كلدة خلال المرحلة المكية، وهي المرحلة التي نزلت فيها آيات الأجنة تحديداً. فضلاً عن ذلك، فإن ما أُثر عن الحارث من طب يندرج في إطار الحكمة الشعبية والنصائح الصحية العامة، لا في إطار وصف جنيني تشريحي دقيق من هذا المستوى.
والأهم من ذلك أن العرب في جزيرتهم لم يكونوا قوماً يدرسون كتب اليونان ويتداولونها، ولم تكن الترجمات الواسعة لهذا التراث قد بدأت بعد، إذ لم تتفتح حركة الترجمة على التراث اليوناني إلا في عصر الدولة العباسية لاحقاً. وعليه، فإن دعوى الاقتباس، سواء جاءت عن طريق جالينوس مباشرة أو عبر وسيط عربي، تفتقر إلى ما يُسندها من واقع تاريخي.

مراحل الخلق.. سبقٌ لم يدركه عصره

تتجلى عظمة الوصف القرآني حين يُقرأ في ضوء ما توصلت إليه أجنّة القرن العشرين؛ فالنطفة وصفٌ للحيوان المنوي والبويضة في وحدتهما المتحدة، والعلقة تصوير حي لمرحلة الانغراس في جدار الرحم، والمضغة توصيف لهذا الكيان اللحمي الصغير الذي يُشبه في شكله قطعةً من اللحم المُضاغ، أما العظام ثم كسوها باللحم فيُجسّدان ترتيباً دقيقاً للتطور يُثبته علم الأجنة الحديث، إذ يسبق تكوّن الهيكل العظمي الغضروفي فعلياً اكتساءه بالعضلات والأنسجة.
هذا التسلسل المنطقي والتشريحي الدقيق هو ما يضع الوصف القرآني في مقام مختلف تماماً عن أي نص طبي أو فلسفي سبقه، فليس في كتابات اليونان، ولا في طب الفرس، ولا في الموروث الشعبي العربي، ما يُناظر هذا الوصف في دقته وترتيبه وانسجامه مع ما كشفه العلم بعد أربعة عشر قرناً.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك