النسوية وتفكيك مفهوم الأمومة.. حين يتحوّل الحنان إلى قيد

من بين أخطر ما حمله الفكر النسوي المعاصر من مفاهيم، نزوعُه إلى إعادة تعريف الأمومة لا باعتبارها فطرةً ومنحة، بل كـ«دورٍ اجتماعي» فُرض على المرأة من قِبَل النظام الأبوي، ليُبقيها أسيرةً للبيت والرعاية والتنشئة....
النسوية وأجندة الغرب.. من تحرير المرأة إلى استعمار الوعي

النسوية وتفكيك مفهوم الأمومة.. حين يتحوّل الحنان إلى قيد

من بين أخطر ما حمله الفكر النسوي المعاصر من مفاهيم، نزوعُه إلى إعادة تعريف الأمومة لا باعتبارها فطرةً ومنحة، بل كـ«دورٍ اجتماعي» فُرض على المرأة من قِبَل النظام الأبوي، ليُبقيها أسيرةً للبيت والرعاية والتنشئة.
لقد كان هذا التحوّل في النظرة إلى الأمومة بمثابة الخطوة الأعمق في مشروع تفكيك الأسرة، إذ يستهدف صميم العلاقة بين المرأة وطبيعتها، بين الفطرة والهوية، بين الوجود الإنساني ومعناه.

الأمومة في الوعي النسوي: عبء لا نعمة

يرى الفكر النسوي الراديكالي أن الأمومة ليست امتيازًا فطريًا، بل سجنًا اجتماعيًا نُسج حول المرأة باسم العاطفة والتضحية. فالمجتمع – بحسب أطروحاتهم – أقنع المرأة أن غايتها القصوى هي الإنجاب والتربية، فحُرمَت من طموحها المهني والسياسي والفكري.
ومن هنا نادت رموز النسوية مثل سيمون دي بوفوار بإعادة صياغة دور المرأة بحيث تتحرّر من قيد الأمومة، حتى قالت قولتها الشهيرة: لن تتحرر المرأة إلا حين تُجبر على العمل، وتتحرر من عبء الإنجاب.”
فغدت الأمومة في هذا الخطاب نقيضًا للتحقق الذاتي، ومصدرًا للدونية أمام الرجل.

الإسلام.. حين جعل الأمومة شرفًا إلهيًا

أما في الرؤية الإسلامية، فالأمومة ليست وظيفة تُؤدَّى، بل منزلة تتسامى بها المرأة في درجات الفضل الإلهي، فهي باب الجنة، ومركز الرحمة في الكون، ومصدر النور في البيوت.
قال تعالى:

ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير [لقمان: 14].

وفي الحديث الشريف:

أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك — رواه البخاري ومسلم.

بهذه النصوص، رفع الإسلام الأم إلى أعلى مراتب البرّ، وجعل صبرها في الحمل والولادة والتربية طريقًا إلى الجنة، لا عبئًا يقيّد حريتها.
فالأم في الإسلام ليست أداة للتربية فحسب، بل هي المعلّمة الأولى للعقيدة والأخلاق، وهي القلب الذي تتشكّل منه هوية الإنسان وضميره.

حين تتحول الفطرة إلى اتهام

تسعى الحركات النسوية المعاصرة إلى إعادة هندسة المفاهيم الفطرية، معتبرة أن العطف والرعاية والحنان قيم زرعها النظام الذكوري لتبرير تبعية المرأة.
ولذلك ظهرت دعوات في الفكر الغربي المعاصر إلى الأمومة المشتركة أو الأمومة بالتناوب أو حتى الأمومة الاصطناعية عبر بنوك الأجنة وتقنيات الإنجاب الصناعي، في محاولة لفصل الأمومة عن جسد المرأة وروحها.
إنها محاولة لاستبدال الأم الحقيقية بالآلة، واستبدال الحنان الطبيعي بالبرمجة الاصطناعية.
وهكذا، تحوّل الحلم النسوي بالتحرر إلى نزعة معادية للطبيعة، تهدم الركيزة الأجمل في الكون: الأم التي تحب دون شرط، وتمنح دون حساب.

أثر النسوية على صورة الأم في الوعي الحديث

تسلّل الخطاب النسوي إلى وسائل الإعلام والسينما والتعليم، فصارت الأمومة تُصوَّر في كثير من الأعمال رمزًا للتقييد والتضحيات القسرية، بينما تُقدَّم المرأة “الناجحة” هي التي ترفض الأمومة لتكرّس حياتها للاستقلال الذاتي.
لكن هذا النموذج أنتج أجيالًا تفتقر إلى الحنان والاستقرار النفسي، وغابت عنها الدفء الأسري الذي تنشأ به الطفولة السوية.
ولذلك بات علماء الاجتماع في الغرب يدقّون ناقوس الخطر من انهيار قيمة الأسرة وارتفاع معدلات الشيخوخة والعزلة بسبب عزوف النساء عن الإنجاب، في مشهدٍ يُنبئ بفقدان إنساني شامل.

الإسلام يوازن بين الأمومة والإنسانية

لقد ردّ الإسلام على هذا التطرّف بإقامة توازن بديع بين الأمومة والكرامة الإنسانية.
فلم يجعل من الأمومة نفيًا لوجود المرأة، بل جعلها امتدادًا أسمى لإنسانيتها.
أجاز لها التعلّم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، لكنه لم يسمح أن تكون الحرية بابًا لقتل الفطرة أو تحقير المشاعر.
وفي هذا التوازن تكمن عبقرية التصور الإسلامي للمرأة: أن تكون فاعلة في المجتمع، دون أن تُنكر طبيعتها، وأن تكون حرة بقدر ما تبقى رحيمة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك