الحصار..

… ملحمة الصبر والثبات في شعب أبي طالب

في مطلع المحرّم من السنة السابعة للبعثة النبوية، دخلت الدعوة الإسلامية واحدةً من أشد مراحلها قسوة وألماً، حين قررت قريش أن تحاصر النبي ﷺ ومن آمن به من بني هاشم وبني المطلب، حصارًا جائرًا قصدت...
الحصار… ملحمة الصبر والثبات في شعب أبي طالب

الحصار..

… ملحمة الصبر والثبات في شعب أبي طالب

في مطلع المحرّم من السنة السابعة للبعثة النبوية، دخلت الدعوة الإسلامية واحدةً من أشد مراحلها قسوة وألماً، حين قررت قريش أن تحاصر النبي ﷺ ومن آمن به من بني هاشم وبني المطلب، حصارًا جائرًا قصدت به كسر شوكة الدعوة، وإرغام العشيرة على تسليم رسول الله ﷺ أو التخلي عن نصرته.

واجتمعت قريش على كتابة صحيفة ظالمة، تعاقدوا فيها على ألا يبايعوا بني هاشم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، ولا تصل إليهم تجارة ولا طعام، حتى يُسلِّموا النبي ﷺ. وعلّقوا تلك الصحيفة في جوف الكعبة توهّمًا منهم أنها عهد لا يُنقض، وأن الظلم إذا كُتب صار شرعًا.

وعندها انحازت بنو هاشم وبنو المطلب، مؤمنهم وكافرهم، إلى شعب أبي طالب، التزامًا بروابط الدم وحمايةً لرسول الله ﷺ، إلا أبا لهب الذي خذل قومه وظاهر قريشًا على بني عمومته. فدخل النبي ومن معه في حصار خانق، قُطعت فيه سبل الميرة، وضُيّق عليهم في المطعم والمشرب، حتى بلغ بهم الجهد مبلغًا عظيمًا، واستمر ذلك قرابة ثلاث سنين، يسمع الناس بكاء الأطفال من شدة الجوع، ولا يتحرك في قلوب المتكبرين رحمة.

وفي قلب هذا الظلام، بقي رسول الله ﷺ ثابتًا، واثقًا بوعد ربه، يواسي أصحابه، ويغرس فيهم معاني الصبر واليقين، مؤكدًا أن الشدة مهما طالت فإن لها نهاية، وأن الله لا يخذل من احتمى به.

ثم جاء الفرج من حيث لا يحتسب الظالمون؛ فقد أوحى الله إلى نبيه ﷺ أن الأرضة قد أكلت الصحيفة، فلم تُبقِ فيها حرفًا من كلمات الجور والقطيعة، وأبقت اسم الله وحده شاهدًا على بطلان الظلم. فأخبر النبي ﷺ عمه أبا طالب، فخرج إلى قريش متحدّيًا: إن كان محمد كاذبًا سلّمناه لكم، وإن كان صادقًا رجعتم عن ظلمكم. فلما أنزلوا الصحيفة وجدوها كما أخبر، فكانت آيةً ساطعة، لكن قلوبًا عمياء زادها ذلك كفرًا وعنادًا.

ومع ذلك، دبّ في صفوف قريش صوت العقل والإنصاف، فتعاقد نفر من عقلائهم على نقض الصحيفة الجائرة، وكان منهم: هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي. فتصدّع جدار الظلم، وانكسر الحصار، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من شعب أبي طالب، وذلك في السنة العاشرة من البعثة.

هكذا انقضى عام الحصار، لا كهزيمة للدعوة، بل كشاهد خالد على أن الصبر إذا اقترن بالإيمان يصنع التاريخ، وأن الله يُمهل الظالم، لكنه لا ينسى المظلوم، وأن في سيرة النبي ﷺ دروسًا لا تنفد في الثبات، واليقين، وحسن التوكل على رب العالمين.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك