الجبال والأنهار

تناغم الخلق وإيقاع الإعجاز

إذا تأمل الإنسان في علاقة الجبال بالماء في نظام الكون، رأى مشهدًا من أروع مشاهد الإعجاز التي صورها القرآن الكريم، حيث تتضافر العناصر الكبرى في الأرض...
الجبال والأنهار... تناغم الخلق وإيقاع الإعجاز

الجبال والأنهار

تناغم الخلق وإيقاع الإعجاز

إذا تأمل الإنسان في علاقة الجبال بالماء في نظام الكون، رأى مشهدًا من أروع مشاهد الإعجاز التي صورها القرآن الكريم، حيث تتضافر العناصر الكبرى في الأرض — الجبال، والأنهار، والسحب — في منظومة دقيقة تفيض بالحياة وتدل على الإتقان الإلهي في الخلق والتقدير.
فالقرآن الكريم حين يذكر الجبال، يقرنها كثيرًا بالماء والأنهار، إشارة إلى وحدة الوظيفة الكونية، وإلى أن الجبال ليست أحجارًا صامتة، بل خزائن للماء، ومصادر للحياة، وشواهد على الخالق العظيم.

الجبال خزائن الماء ومنابع الأنهار

يقول الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 31-32].
في هذه الآية العظيمة يربط القرآن بين تثبيت الأرض بالجبال وبين انتظام دورة الماء والهواء، وهي العلاقة التي كشفها العلم الحديث بجلاء، إذ تبيّن أن الجبال تشكّل خزانات طبيعية للمياه العذبة من خلال ما يتراكم على قممها من ثلوج وأمطار، تتسرب إلى باطن الأرض لتغذي الينابيع والأنهار.
ولهذا قال الله تعالى في موضع آخر:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30].
فالماء سرّ الحياة، والجبال وعاؤه ومصدره، وكلتاهما تعملان بإرادة واحدة في منظومة إلهية متقنة.

الجبال ودورة الماء في الكون

من وجوه الإعجاز العلمي أن القرآن أشار — بإيجاز معجز — إلى الدورة المائية التي لم تُكتشف إلا في العصور الحديثة، فقال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 21].
فالآية تصف كيف ينزل المطر من السماء، ثم يُخزَّن في باطن الأرض، ثم يخرج من ينابيع تنحدر أكثرها من الجبال والمرتفعات.
وهذا تمامًا ما كشفه علم الجيولوجيا والهيدرولوجيا، من أن المناطق الجبلية تلعب الدور الأهم في تغذية الأنهار والمياه الجوفية، لأن صخورها المسامية تحفظ الماء وتعيد توزيعه في التربة والوديان.

الجبال والأنهار في المشهد القرآني

القرآن لا يذكر الجبال والأنهار ذكرًا علميًا جافًا، بل يصورهما في لوحات من الجمال الإيماني الذي يجمع بين الحس والمعنى، فيقول تعالى:
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: 4].
هنا تتجلى وحدة المصدر وتنوع المظهر، فالماء واحد والجبال واحدة، لكن الثمرات تختلف، إشارة إلى أن الإعجاز لا يقوم فقط على النظام الطبيعي، بل على التقدير الإلهي وراءه.
وهكذا تُصبح الجبال والأنهار رمزًا للتكامل في الخلق، وتذكيرًا بقدرة الله التي جمعت بين الصلابة والانسياب، بين الثبات والحركة، في توازن بديع.

الإعجاز البلاغي في تصوير الجبال والأنهار

من الإشارات البديعة في القرآن أنه يجعل من الجبال والأنهار علامات هداية للإنسان في سفره وتأمله، قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97]،
وقال أيضًا:
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: 31].
فالجبال ليست فقط علامات جغرافية، بل رموز هداية روحية، كما أن الأنهار ليست مجرى للماء فحسب، بل مجرى للحياة والتأمل، ومن خلال هذا التشبيه البلاغي يتجلى الإعجاز في التوازن بين الوظيفة المادية والمعنى الإيماني.

الجبال والماء… وحدة الإبداع الإلهي

حين ننظر في الكون كما يصوره القرآن، ندرك أن الجبال والأنهار ليستا كائنين متقابلين، بل هما وجهان لرحمة الله في الأرض؛ فالجبال تحفظ استقرارها، والأنهار تحفظ استمرارها.
قال تعالى:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20].
فكل جبل وكل نهر هو آية قائمة بذاتها، تذكّر الإنسان بأن وراء هذا الجمال والإتقان خالقًا عليمًا حكيمًا.
وفي الجمع بينهما تتحقق معادلة الحياة، حيث يلتقي الثبات بالجريان، والقوة باللين، لتكتمل صورة الإعجاز الرباني في الخلق والتقدير.

 

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك