التقدير الإلهي.. حين تُقلب الموازين الأرضية في ميزان القرآن

بينما شاع بين الناس تقدير قيمة بعضهم بعدد الأملاك والذرية، يأتي القرآن ليقلب الموازين رأساً على عقب، ويوضح من خلال إحدى آياته المقياس الحقيقي لمنزلة الإنسان ومكانته، إنها الآية التي تُصحح مسار البشرية...
التقدير الإلهي.. حين تُقلب الموازين الأرضية في ميزان القرآن

التقدير الإلهي.. حين تُقلب الموازين الأرضية في ميزان القرآن

بينما شاع  بين الناس تقدير قيمة بعضهم بعدد الأملاك والذرية، يأتي القرآن ليقلب الموازين رأساً على عقب، ويوضح من خلال إحدى آياته المقياس الحقيقي لمنزلة الإنسان ومكانته،  إنها الآية التي تُصحح مسار البشرية، وتعيد ترتيب أولويات الحياة، فليس الجمال والمال والجاه سوى زينة عابرة، أما ما يبقى ويُقرّب إلى الله فهو عمل القلوب والجوارح. إنها كلمة الفصل في معيار التفاضل بين البشر.

النص القرآني.. تصحيح المفاهيم

يقول تعالى في سورة سبأ: “وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ”. إنها آية تُزيل الغشاوة عن العيون، وتكشف أن وسائل القرب من الله ليست في متاع الدنيا، بل في صفاء القلب وإخلاص العمل.

لحظة التصحيح الكوني

لطالما افتخر العرب – وقبلهم الأمم – بالأنساب والأموال، وجعلوها معياراً للتفاضل، فجاء القرآن ليعلن ثورة قيمية تنسف هذا التصور من جذوره. إنها لحظة مصيرية في تاريخ الفكر البشري، حيث ينتقل المعيار من “الملك” إلى “الصنيع”، ومن “الكم” إلى “الكيف”، ومن “ظاهر الأشياء” إلى “حقيقتها”.

الاستثناء النوراني

لا يكتفي القرآن بنفي قيمة المال والولد في الميزان الإلهي، بل يقدم البديل الجوهري في قوله: “إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا”. إنه الاستثناء الذي يقلب المعادلة، فالإيمان ليس مجرد قول باللسان، بل هو تصديق بالقلب واستسلام بالجوارح. والعمل الصالح هو الثمرة الحقيقية لهذا الإيمان، والطريق العملي لتحقيق العبودية الخالصة لله.

جزاء المضاعفة والأمان

لا يقتصر فضل الله على قبول العمل الصالح، بل يضاعف أجره أضعافاً كثيرة: “فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ”. وهي مضاعفة لا يعلم قدرها إلا الله، تبدأ من الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ثم يمنحهم الأمان في “الْغُرُفَاتِ”، وهي قصور عالية في الجنة، يحظون فيها بالاطمئنان التام من كل خوف وحزن.

رؤية المفسرين.. إضاءات على الآية

يؤكد الإمام البغوي أن “زلفى” تعني القرب والمنزلة الرفيعة، فليس المال والولد وسيلة للتقرب إلى الله. ويشدد الإمام الواحدي على أن الإيمان والعمل الصالح هما الطريق الوحيد للقرب الحقيقي. أما ابن كثير فيربط بين هذه الآية والحديث النبوي: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”، ليؤكد أن المعيار الحقيقي هو ما في القلوب من إيمان وما في الجوارح من طاعة.

الامتحان الدنيوي والحكمة الإلهية

لا يعني هذا التحذير أن المال والولد شر مطلق، بل هما نعمة وامتحان. يقول تعالى: “إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ”. فحين يكونان وسيلة للطاعة والعبادة، يصبحان نعمة تستحق الشكر. أما حين ينقلبان إلى غاية وهدف، يصبحان نقمة وعبئاً على صاحبهما.

العبرة الخالدة.. منهج حياة

تبقى هذه الآية منهجاً حياً يصلح لكل عصر، فهي تذكر الأغنياء بأن غناهم ليس دليلاً على كرامتهم عند الله، وتطمئن الفقراء بأن فقرهم ليس دليلاً على هوانهم. إنها المساواة الإلهية التي لا فضل فيها لأحد إلا بالتقوى. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يعبد وفيما يعمل.

فهذه الآية ليست مجرد حكم شرعي، بل هي فلسفة كاملة للحياة، تضع الإنسان في مكانه الحقيقي من هذا الكون، وتذكره بأن الدنيا دار اختبار، والآخرة دار قرار.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك