التراث الديني

يضمن الحفاظ على الهوية

لكل أمة تراثها الديني والحضاري الأساسي الذي يكون خصائصها ونفسية أبنائها وطرق حياتهم وتفكيرهم وأي ضياع لهذا التراث إنما يؤدي إلى ضياع آخر في عقول أبنائها وقلوبهم ويؤثر بالتالي على قوة الأمة وسلامة خصائصها....

التراث الديني

يضمن الحفاظ على الهوية

لكل أمة تراثها الديني والحضاري الأساسي الذي يكون خصائصها ونفسية أبنائها وطرق حياتهم وتفكيرهم وأي ضياع لهذا التراث إنما يؤدي إلى ضياع آخر في عقول أبنائها وقلوبهم ويؤثر بالتالي على قوة الأمة وسلامة خصائصها.

والتفاعل الحضاري، وإن كان ضرورة من الضرورات بين الأمم والشعوب إنما يكون مفيدا إذا لم يضر بالميراث الأصيل والبناء الأساسي لشخصية الأمة أما إذ تعدى إلى التراث فإنه حينئذ يضعف خصائص الأمة ويلحقها بغيرها وهو في هذه الحالة لا يكون تفاعلا بين أمة وأمة. بل يكون إذابة لكيان أمة في أمة أخرى.

ولذلك كانت الفتوحات الإسلامية من أنجح الفتوحات في التاريخ الإنساني لأن أبطال الإسلام الأوائل لم يكونوا يقصدون الاستيلاء على الأراضي أو استعباد الناس وثرواتهم بل كان المسلم يدفع من الزكاة والضرائب الأخرى للدولة أكثر مما يدفعه الذمي من الجزية. وإنما كانوا يقصدون إلى تنوير الناس بالإسلام ونشر تراثه وقيمه ومحو تراث الجاهلية بمختلف صوره حينذاك. وقد نجحوا عندما طبقوا النظام الإسلامي بكل ما فيه من قيم على المجتمعات فتحولت برغبتها إلى الإسلام.، لذلك فمن الضروري لدى مناقشة اتجاهالتغريب التفريق بين نقل ونقل، وذلك من خلال المحددات العلمية المتعارف عليها،فهناك نقل يجعل الإسلام هو أساس التفكير وأساس المجتمع وحياته، ولا بأس أن يأخذ ما يستحسنه لدى هذه الأمة أو تلك مما يوافق التراث.

فالعلوم الحديثة مثلان تلك التي تبحث في الكون وتاريخ الأمم وأحوال الشعوب قد دعا إلى الإسلام وحض على طلبها من أجل تسخير الكون الذي خلق خصيصا للإنسان، لكن المسلمين في عصورهم الأخيرة تقاعسوا عن القيام بحق هذه العلوم فعندما تأخذ ثمرات البحث العلمي

الذي وصل إليه الغرب متأثرين بالنهضة الإسلامية أساسا فإنما نسترد شيئا لدينا منه أصله ومنطقته “فهي بضاعتنا ردت إلينا” لأننا وضعنا الإسلام موضعه أساساً لعملية الاختيار نعرض عليه ما يعجبنا فإن كان له أصل فيه أخذناه وإلا فلا.

وهناك نقل آخر، يدعو إلى دعاة التغريب وهو نقل حضارة الغرب بحذافيرها إلى الشرق سواء كان المنقول حسناً أو سيئاً، فقد طالب البعض صراحة بذلك، وطالبوا بنقل خيرها وشرها حلوها ومرها وما يحب منها وما يكره، وما يحسن منها وما يعاب، بل وصل الأمر بالدعوة إلى التبعية للأوروبي بأن نرى الأشياء كما يراها ونقومها كما يقومها ونحكم عليها كما يحكم عليها، وكأن الأمر ليس أمر تقدمنا ونهضتنا فقط بل لابد أن نشعر الأوروبي بأننا نرى الأشياء كما يراها بالضبط.

والنقل بهذا الشكل عملية فكرية واجتماعية خطيرة الأثر على نفسية الأمة لأنها تجعل الحضارة الغربية هي المثل الأعلى الذي ينبغي أن نحتذى به وأن نركن إليه تماما في تسيير الحياة، أو بعبارة أخرى تجعل الحضارة الغربة هي المصدر الأول الذي يجب الوقوف عنده أولا، لنختار منه طرائق حياتنا أو تسنفتيه في مشكلاتنا، وما الشريعة الإسلامية والتراث الإسلامي الأصيل لهذه الأمة إلا مصدر متأخر يتلو الحضارة الغربية، هذا إن اعتبر مصدرا أصلا.

وجعل الحضارة الغربية هي المثل الأعلى على هذا النحو يخلق التبعية في نفس الأمة وعقلها فتحطم اعتداد أبنائها بذواتهم ومقدراتهم كلها كلما تطاولت الأيام وتعاقبت الأجيال.

لذلك من الضروري في هذا المقام أن نلاحظ الفرق بين النقل الذي يطالب به دعاة التغريب، وبين النقل الذي نقل به الغرب عن الحضارة الإسلامية، وهو ذلك النقل الذي يحافظ على الهوية، فيبقي على ملكة التفكير ويساعد في القدرة على الابتكار، ولعل ذلك يفسر حالة الكمون العلمي الذي تستغرق فيها الأمة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك