البعث..

رحلة الخلود من الثرى إلى العرض

لحظة البعث هي اللحظة المصيرية التي تُختتم بها رحلة الحياة الدنيا، إنه المشهد المهيب الذي تتحول فيه صمت القبور إلى حركة الحياة، ويستيقظ فيه التاريخ بأسره...
البعث.. رحلة الخلود من الثرى إلى العرض

البعث..

رحلة الخلود من الثرى إلى العرض

لحظة البعث هي اللحظة المصيرية التي تُختتم بها رحلة الحياة الدنيا، إنه المشهد المهيب الذي تتحول فيه صمت القبور إلى حركة الحياة، ويستيقظ فيه التاريخ بأسره ليُحاكم أمام خالقه. من خلال لوحات قرآنية باهرة وأحاديث نبوية شريفة، تتجلى معالم هذا اليوم العظيم، حيث تندك فيه مقاييس الزمن، وتنفخ الصور فتُعيد كتابة مصير الخليقة.

الركن المنسي: البعث في قلب العقيدة

الإيمان بالبعث كالقلب في الجسد، فهو الذي يمنح الحياة معناها، والفعل قيمته، والمسؤولية ثقلها. إنه الركن الذي يحوِّل الوجود من مجرد رحلة عابرة إلى اختبار حقيقي، تُحفظ خلاله الأنفاس، وتُوزن فيه الأعمال. فبدون هذا اليوم، تفقد الدنيا بُعدها الأخلاقي، ويغدو الإنسان مجرد كائن عابر لا مسؤولية له ولا حساب. لذا جاء التركيز عليه في القرآن والسنة ليظل جرس إنذار دائم في ضمير المؤمن، وقبس أمل للصابرين.

مشاهد البعث: بين القرآن الكريم والسنة

لم يتركنا النص الشرعي أمام حدث جلل كهذا حيارى، بل رسم لنا بأبلغ الكلمات وأدقها مشاهد ذلك اليوم. ففي القرآن، تتحول الآيات إلى كاميرات تلتقط لحظة الخروج من الأجداث، كما في سورة “يس”: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ”، في مشهد يجمع بين الهول والسرعة والانقياد. وتأتي السنة النبوية لتملأ الفراغات بتفاصيلَ تحبس الأنفاس، كالحديث الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- حول المدة الغامضة بين النفختين، والتي أبهمها رسول الله -ﷺ- بقوله “أبيت”، ليظل العبد في حالة ترقب دائم، واستعداد لا ينقطع.

النفختان: نهاية العالم وبداية الخلود

تقوم هندسة يوم القيامة على نفختين محوريتين، تحملان في طياتهما نهاية عالم وبداية آخر. الأولى هي نفخة الصعق، التي تصدر فتُصعق من في السموات والأرض، لتهبط الحياة على صمت رهيب، وتنطوي صفحة الوجود الدنيوي بكل ما فيه. ثم تأتي نفخة البعث، لتكون إيذاناً ببدء فصل الخلود، فيقوم الناس من قبورهم، تملؤهم الدهشة وهم يسألون: “يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا؟”. إنهما لحظتان متعاقبتان، تختبران قدرة المطلق، وتُجسدان معنى “كُن فَيَكُون” في أبهى صورها.

ساعة البعث: الغيب الذي يغير قواعد اللعبة

لطالما كان التوقيت هو السر الأكبر، فلم يُكشف عن موعد البعث، بل أُخفي عن الأنبياء والملائكة، ليبقى الإنسان في حالة من اليقظة والاستعداد الدائم. إنه الغيب الذي يجعل من كل لحظة في الدنيا محطة محتملة للانتهاء والبدء الجديد، مصداقاً لقوله تعالى: “لَا يَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً”. هذا الإبهام الإلهي ليس تخويفاً مجرداً، بل هو رحمة تحث على العمل الدؤوب، وتذكير بأن اللحظة الفاصلة في تاريخ البشرية قد تأتي فجأة، لتقلب كل الموازين.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك