ابتسامة النبي.. ضياء الوجه ودواء القلوب

إذا كان الوجه مرآة الروح، فإن وجه النبي ﷺ كان أصفى المرايا وأبهى الصور، يفيض نورًا ووقارًا، ويجمع بين المهابة والرحمة. ومن بين شمائله التي أسرت القلوب وخلّدت الذكر....
الصبر على الأذى

ابتسامة النبي.. ضياء الوجه ودواء القلوب

إذا كان الوجه مرآة الروح، فإن وجه النبي ﷺ كان أصفى المرايا وأبهى الصور، يفيض نورًا ووقارًا، ويجمع بين المهابة والرحمة. ومن بين شمائله التي أسرت القلوب وخلّدت الذكر، ابتسامته التي لم تكن مجرد حركة شفتين، بل كانت إشراقة روح، وبسمة رحمة، ولحظة صفاء تنفذ إلى القلوب فتداويها وتؤنسها.

لقد وصف الصحابة رضوان الله عليهم تلك البسمة وصفًا بالغًا، فقال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي» (رواه البخاري ومسلم). فكانت ابتسامته سمة ملازمة له في لقاء أصحابه، ترسم الطمأنينة في قلوبهم وتغمرهم بحب لا يُوصف.

وكان ﷺ لا يُكثر الضحك، بل كان أكثر ضحكه التبسم، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم» (رواه البخاري). فابتسامته كانت اعتدالًا بين الانشراح والوقار، تحمل معنى السرور دون إفراط، وتُظهر الرحمة دون خفة.

وقد بلغ أثر ابتسامته مبلغًا جعل أصحابه يعدونها من أعظم دلائل نبوته، حتى قال عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ» (رواه الترمذي). ولم تكن بسمة عابرة، بل كانت دليل سعة صدره، وعظيم حلمه، وعمق رحمته بالناس جميعًا.

وكانت ابتسامته تظهر في المواقف العادية وفي اللحظات المؤثرة على حد سواء؛ فقد كان يبتسم وهو يحدث أصحابه ليأنسوا به، ويبتسم ليخفف من وطأة المواقف الصعبة، ويبتسم ليشعر كل من حوله بالقرب والرحمة. حتى الأيتام والصغار وجدوا في بسمته دفئًا يغنيهم عن الدنيا، فكيف لا وهو القائل: «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة» (رواه الترمذي).

إن ابتسامته ﷺ لم تكن زينة وجه فحسب، بل كانت منهج حياة، ورسالة إيمانية تذكّر الأمة بأن اللطف والبشاشة عبادة، وأن الكلمة الطيبة إذا قُرنت بابتسامة صادقة، أصبحت جسرًا للمودة ودواءً للقلوب.

ولذلك، فإن التأسي بابتسامته ﷺ ليس مجرد تقليد لهيئة، بل هو اقتداء بروح الرحمة التي حملها إلى العالمين، وتجسيد لجوهر قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
فقه الأولويات في العمل الدعوي المعاصر..
فقه الأولويات من أهم المفاهيم التي يحتاجها العمل الدعوي في العصر الحديث، فهو يعنى بترتيب القضايا والمهام...
المزيد »
الخطاب الديني المعتدل
يمثل الخطاب الديني أحد أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل وعي المجتمعات، وتوجيه الأفكار والسلوكيات نحو القيم...
المزيد »
مواجهة التكفير تبدأ ببناء الوعي لدى الأجيال
شهدت بعض الفترات التاريخية ظهور أفكار متشددة دعت إلى تكفير المجتمعات والابتعاد عنها، انطلاقا من تصورات...
المزيد »
الليبرالية المعاصرة..
الليبرالية من أبرز التيارات الفكرية التي أثرت في تشكيل الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، حيث ارتبط ظهورها...
المزيد »
شبهة وجود الشرور في العالم..
شبهة وجود الشرور في العالم من أبرز المسائل التي أثارت تساؤلات الإنسان عبر العصور، حيث يتساءل البعض: إذا...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي..
أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز التطورات التقنية التي يشهدها العالم في العصر الحديث، حيث دخل في مجالات...
المزيد »
 «استعمال الناس حجة»
القواعد الفقهية من أهم الأدوات التي اعتمد عليها العلماء في ضبط الفروع الفقهية وربط الأحكام بأصولها العامة،...
المزيد »
فقه المقاصد
فقه المقاصد من أهم العلوم التي تساعد على فهم روح الشريعة الإسلامية وغاياتها الكبرى، فهو لا يكتفي بالنظر...
المزيد »
الإمام مالك: الجمع بين الصلوات أثناء السفر رخصة تستخدم عند الحاجة
مسألة الجمع بين الصلوات أثناء السفر من المسائل الفقهية التي تناولها العلماء بالبحث والدراسة، لما لها...
المزيد »
صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة..
صلاة تحية المسجد من السنن التي شرعها الإسلام عند دخول المسجد، وهي ركعتان يؤديهما المسلم قبل الجلوس تعظيما...
المزيد »
دعوا الناقة فإنها مأمورة..
تظل قصة الناقة التي اختارت دار أبي أيوب الأنصاري من أجمل المواقف التي ترويها كتب السيرة عن استقبال أهل...
المزيد »
عبد الله بن أبي بكر..
بقي اسم عبد الله بن أبي بكر حاضرا في كتب السيرة والتاريخ باعتباره الصحابي الذي أدى دورا مهما في واحدة...
المزيد »
موقعة الريدانية.. أنهت حكم المماليك في مصر
موقعة الريدانية واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في تاريخ مصر والمنطقة العربية والأمة الإسلامية، إذ مثلت...
المزيد »
مسجد السلطان حسن..
يعد مسجد السلطان حسن واحدا من أبرز المعالم الإسلامية في القاهرة التاريخية، ومن أعظم الشواهد على ازدهار...
المزيد »
ظل الغمامة..
عاش النبي ﷺ محفوظا بعناية الله، حتى جاء وقت الرسالة، فكان خير من حمل الأمانة وأدى البلاغ، لتبقى سيرته...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك