أشجّ عبد القيس… الحليم الذي شهد له النبي وقصة إيمان قومه

عاد رجل من قبيلة عبد القيس في البحرين بعدما أكرمه الله بالإسلام، يخفي إيمانه في قلبه حتى عن أقرب الناس إليه. غير أنّ عيون الزوجة لم تخطئ تغيّره، فقد رأته يغسل أطرافه في الليل والنهار،...
أشجّ عبد القيس… الحليم الذي شهد له النبي وقصة إيمان قومه

أشجّ عبد القيس… الحليم الذي شهد له النبي وقصة إيمان قومه

عاد رجل من قبيلة عبد القيس في البحرين بعدما أكرمه الله بالإسلام، يخفي إيمانه في قلبه حتى عن أقرب الناس إليه. غير أنّ عيون الزوجة لم تخطئ تغيّره، فقد رأته يغسل أطرافه في الليل والنهار، ثم يتوجّه إلى جهة محدّدة، يركع ويسجد ويُلبس جبهته التراب. فبادرت إلى أبيها تخبره بما رأت من أحوال غريبة على عادته.
حين واجه الأب صهره، جرت على لسانه كلمات التوحيد، فشرح الله صدر الأب للإسلام، ثم سرعان ما دعا قومه فآمنوا به، حتى اجتمعوا قافلةً متشوقةً للقاء الحبيب المصطفى ﷺ.

بشارة النبي ﷺ بالوفد

جلس الصحابة في المسجد حول نبيّهم، وإذا به ﷺ يقول: «سيطلع عليكم من هاهنا ركبٌ هم خير أهل المشرق، لم يُكرهوا على الإسلام، قد أمضوا الركائب وأفنوا الزاد». فما كاد يسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى انطلق يستقبلهم عند أبواب المدينة، فلما قدموا أربعين بين رجال ونساء وصبية، بشّرهم عمر قائلاً: «مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى، لقد شهد لكم رسول الله قبل أن تصلوا».

شوق القلوب وهيبة اللقاء

ما إن بلغوا المسجد حتى قفزوا عن رواحلهم شوقاً إلى الحبيب ﷺ، يقبّلون رأسه الشريف ويديه المباركتين. غير أنّ رجلاً واحداً، هو أشجّ عبد القيس، تأنّى وتوقّر؛ أناخ رواحل قومه وربطها، اغتسل ولبس ثوبين ناصعين، ثم دخل المسجد بسكينة وهيبة، وانكبّ على رأس النبي ﷺ يقبّله.

شهادة النبي ﷺ في حقه

نظر الناس إلى هيئته البسيطة وجلده المطبع، فقال الأشج بصدق العارف: «يا رسول الله، إنه لا يُستسقى بمسوك الرجال، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه». فابتسم له الحبيب ﷺ وقال: «إن فيك يا أشج خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحِلم والأناة». فسأل: «أهما خُلُق تخلّقت بهما، أم جبلني الله عليهما؟» فقال ﷺ: «بل جبلك الله عليهما». فتهلل وجهه قائلاً: «الحمد لله الذي جبلني على خُلُقين يحبهما الله ورسوله».

إسلام الجارود وقيادته لقومه

وبينما يخاطب النبي ﷺ الوفد، وقعت عيناه على رجل بينهم، هو الجارود بن بشر، وكان نصرانياً. فدعاه ﷺ إلى التوحيد، وقال له: «إن الدين عند الله الإسلام، وهو دين عيسى وموسى ومحمد والناس أجمعين». فما لبث الجارود أن اعترف قائلاً: «والذي بعثك بالحق، لقد وجدت صفتك في الإنجيل كما بشر بها ابن البتول»، فنطق بالشهادتين وأسلم، فأسلم قومه من بعده.

ثبات في زمن الردة

وبعد وفاة النبي ﷺ، لما هبّت رياح الردة في أرجاء الجزيرة، ثبت الجارود رضي الله عنه ثبات الجبال، جمع قومه وجدد الشهادة، وقال قولته المشهورة: «أما والله من بعث محمداً بالحق، ما ارتد أحد منكم إلا ضربت عنقه». فحفظ الله به إسلام أهل البحرين.

وهكذا دوّن التاريخ هذا الموقف النبوي، شاهداً على عظمة التربية المحمدية، التي صنعت من رجال الجزيرة أعلاماً للثبات والإيمان.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك